جدري القرود (mpox) بعد إنهاء الطوارئ: الأعراض والانتقال والوقاية
أعلنت منظمة الصحة العالمية في 5 سبتمبر 2025 انتهاء حالة الطوارئ الصحية العامة التي تثير قلقًا دوليًا بشأن جدري القرود (mpox)، وهو القرار الذي أنهى حالة الاستنفار الدولي التي كانت قائمة منذ أغسطس 2024.
ولأن كثيرًا مما نُشر عن المرض جاء في ذروة القلق ولم يُحدَّث بعدها، يعرض موقع ميكسات فور يو في هذا التقرير صورة محدثة: ما الذي يعنيه إنهاء الطوارئ وما الذي لا يعنيه، وما هي الحقائق الأساسية عن المرض وفق ما تنشره منظمة الصحة العالمية، من طرق الانتقال والأعراض إلى الفئات الأكثر عرضة والوقاية واللقاحات.
ماذا يعني إنهاء حالة الطوارئ؟ وماذا لا يعني؟
إعلان الطوارئ الصحية العامة التي تثير قلقًا دوليًا هو أعلى مستوى تنبيه تصدره منظمة الصحة العالمية، ويهدف إلى تنسيق الاستجابة الدولية وتسريع تبادل المعلومات والموارد. وإنهاؤه يعني أن المنظمة ترى أن الوضع الوبائي لم يعد يتطلب هذا المستوى من التنسيق الطارئ.
لكنه لا يعني أن المرض اختفى، ولا أن المتابعة توقفت. فالإنهاء قرار يتعلق بمستوى التنبيه الدولي، لا بانعدام الإصابات. وقد سبق أن مر جدري القرود بمرحلتي طوارئ منفصلتين: الأولى من يوليو 2022 حتى مايو 2023، والثانية من أغسطس 2024 حتى سبتمبر 2025.
ولذلك فإن أي مادة تتحدث عن «إعلان الطوارئ» بصيغة الحاضر صارت اليوم غير دقيقة، وهو ما استدعى تحديث هذا التقرير بالكامل.
ما هو جدري القرود؟
جدري القرود مرض فيروسي يسببه فيروس جدري القرود، وهو من جنس Orthopoxvirus ضمن عائلة Poxviridae، وهو فيروس مغلَّف حمضه النووي من نوع DNA.
ويُصنف الفيروس إلى سلالتين رئيسيتين: السلالة الأولى (Clade I) وتضم الفرعين Ia وIb، والسلالة الثانية (Clade II) وتضم IIa وIIb. وقد ارتبط التفشي العالمي في 2022-2023 بالفرع IIb، بينما ارتبطت الزيادة الأحدث في جمهورية الكونغو الديمقراطية بالفرعين Ia وIb.
كيف ينتقل المرض؟
ينتقل الفيروس بصورة أساسية عبر المخالطة اللصيقة، وتشمل:
- التلامس المباشر بين الجلد والجلد.
- التقبيل والمخالطة وجهًا لوجه.
- الاتصال الجنسي.
كما يمكن أن ينتقل من الحيوان إلى الإنسان عن طريق العض أو الخدش أو التعامل مع حيوانات مصابة. ومن الممكن كذلك انتقاله من الأم إلى الجنين أثناء الحمل أو إلى الوليد أثناء الولادة.
ومن المهم التنبيه إلى أن هذا النمط من الانتقال يختلف جوهريًا عن الفيروسات التنفسية سريعة الانتشار، وهو ما يفسر لماذا ظل انتشاره محدودًا مقارنة بها.
فترة الحضانة والأعراض
تظهر الأعراض عادة خلال أسبوع من التعرض، لكن المدى المعتمد لدى منظمة الصحة العالمية هو من يوم إلى 21 يومًا بعد التعرض. وتستمر الأعراض في المعتاد من أسبوعين إلى أربعة أسابيع.
وأبرز الأعراض الشائعة:
- طفح جلدي.
- حُمّى.
- التهاب الحلق.
- صداع.
- آلام بالعضلات وآلام بالظهر.
- إرهاق عام.
- تضخم الغدد الليمفاوية.
من هم الأكثر عرضة للخطر؟
تحدد منظمة الصحة العالمية فئات أعلى خطورة للإصابة بمضاعفات، وهي:
- الأطفال.
- الحوامل.
- أصحاب المناعة المنخفضة، ومنهم المصابون بفيروس نقص المناعة البشرية غير المنضبط علاجيًا.
- من لديهم شركاء جنسيون متعددون.
المضاعفات المحتملة
في الحالات الشديدة قد تحدث مضاعفات تشمل: عدوى جلدية بكتيرية ثانوية، والتهاب رئوي، وفقدان البصر، وصعوبة البلع، والإنتان (تسمم الدم)، والتهاب الدماغ، والتهاب عضلة القلب، وإصابة أعضاء أخرى.
ولذلك فإن ظهور أعراض شديدة أو تدهور الحالة يستدعي تقييمًا طبيًا وليس علاجًا منزليًا.
التشخيص والعلاج
الوسيلة المفضلة للتشخيص هي الكشف عن الحمض النووي للفيروس بتقنية تفاعل البوليميراز المتسلسل (PCR)، باستخدام عينات من آفات الطفح الجلدي أو الحلق أو الشرج.
أما العلاج فيقوم في الأساس على الرعاية الداعمة: السيطرة على الألم والحُمّى، والاهتمام بالتغذية والترطيب والعناية بالجلد، ومنع العدوى البكتيرية الثانوية. وتوضح منظمة الصحة العالمية أنه لا توجد حتى الآن مضادات فيروسية مثبتة الفاعلية ضد المرض.
وهذه نقطة يجب توضيحها بدقة: غياب مضاد فيروسي مثبت لا يعني غياب العلاج، فالرعاية الداعمة علاج فعلي وتؤثر في مسار الحالة، كما أن اللقاحات متاحة كما يلي.
اللقاحات
توجد لقاحات متاحة، وتوصي المنظمة بها للفئات الأعلى خطورة، وتشمل العاملين في الرعاية الصحية، والمخالطين داخل المنزل، ومن لديهم شركاء جنسيون متعددون.
أما التطعيم بعد التعرض فيُفضل أن يتم خلال 4 أيام من المخالطة، ويمكن أن يمتد إلى 14 يومًا إذا لم تظهر أعراض على الشخص المخالط.
الوقاية وما ينبغي فعله عند الإصابة
- العزل حتى تلتئم الآفات الجلدية تمامًا.
- ارتداء الكمامة عند وجود آخرين.
- تجنب لمس القروح.
- الامتناع عن النشاط الجنسي مع شركاء جدد خلال فترة العدوى.
وتشير المنظمة إلى أن الواقي الذكري يقلل خطر الانتقال لكنه لا يلغيه، لأن الفيروس ينتقل بالتلامس الجلدي وليس عبر السوائل وحدها.
حجم الانتشار بالأرقام
بحسب منظمة الصحة العالمية، أبلغ أكثر من 120 دولة عن حالات جدري قرود في الفترة من يناير 2022 حتى أغسطس 2024، مع تسجيل أكثر من 100 ألف حالة مؤكدة معمليًا وأكثر من 220 وفاة بين الحالات المؤكدة.
وتضع هذه الأرقام المرض في سياقه الصحيح: انتشار جغرافي واسع، لكن بعدد وفيات محدود نسبيًا مقارنة بحجم الحالات، وهو ما يفسر قرار إنهاء حالة الطوارئ دون التوقف عن المتابعة.
لماذا صار الاسم «mpox»؟
اعتمدت منظمة الصحة العالمية مصطلح mpox ليكون الاسم المفضل للمرض بدلًا من الاسم القديم monkeypox، وذلك في نوفمبر 2022، ضمن توجه لتفادي الأسماء التي قد تُستخدم في الوصم أو التمييز أو التي توحي بمعلومات مضللة عن مصدر المرض.
والاسم العربي المتداول «جدري القرود» ترجمة للاسم القديم، ولذلك يُستخدم الاسمان معًا في كثير من المواد العربية. ولا يعني الاسم أن القرود هي المصدر الوحيد أو الرئيسي للعدوى.
مفاهيم خاطئة شائعة
«المرض بلا علاج»
غير دقيق. الصحيح أنه لا توجد مضادات فيروسية مثبتة الفاعلية، لكن الرعاية الداعمة علاج فعلي، واللقاحات متاحة للفئات المستهدفة. والخلط بين «غياب مضاد فيروسي» و«غياب العلاج» من أكثر ما يثير القلق بلا مبرر.
«ينتشر مثل كورونا»
غير صحيح. طريق الانتقال الأساسي هو المخالطة اللصيقة والتلامس الجلدي، لا الرذاذ التنفسي واسع الانتشار، وهو ما يجعل ديناميكية انتشاره مختلفة تمامًا عن الفيروسات التنفسية.
«يخص فئة بعينها»
المرض ينتقل بالمخالطة اللصيقة لأي شخص، والفئات التي تحددها المنظمة هي فئات أعلى خطورة للمضاعفات أو أكثر تعرضًا، وليست فئات محتكرة للإصابة. والتعامل مع المرض بمنطق الوصم يضر بالرصد الوبائي لأنه يدفع المصابين إلى إخفاء أعراضهم.
«انتهت الطوارئ إذن انتهى المرض»
إنهاء الطوارئ قرار يتعلق بمستوى التنبيه الدولي والتنسيق، ولا يعني انعدام الحالات ولا توقف المتابعة.
ماذا تفعل عند الاشتباه؟
- لا تلمس الطفح ولا تحاول فتح القروح.
- اعزل نفسك عن المخالطين وارتدِ الكمامة عند الضرورة.
- توجه إلى جهة طبية للتقييم وطلب فحص PCR إن رأى الطبيب ذلك.
- أبلغ من خالطتهم عن قرب حتى يتابعوا حالتهم، خاصة إن كان بينهم أطفال أو حوامل أو أصحاب مناعة منخفضة.
- لا تتناول مضادات حيوية من تلقاء نفسك؛ فهي لا تعالج الفيروس وتُستخدم فقط إن حدثت عدوى بكتيرية ثانوية بوصف طبي.
خلاصة
جدري القرود مرض فيروسي ينتقل أساسًا بالمخالطة اللصيقة، وفترة حضانته من يوم إلى 21 يومًا، وأعراضه تستمر من أسبوعين إلى أربعة أسابيع، وعلاجه داعم مع توافر لقاحات للفئات الأعلى خطورة. وقد أنهت منظمة الصحة العالمية حالة الطوارئ الدولية بشأنه في سبتمبر 2025، وهو ما يعني تراجع مستوى التنبيه لا اختفاء المرض.
ويظل السلوك الوقائي، وطلب التقييم الطبي عند ظهور طفح مع حُمّى بعد مخالطة مشتبه فيها، هو التعامل الصحيح بعيدًا عن الهلع أو التهوين.
