رأس نفرتيتي في برلين: وثائق القسمة وموقف الجانبين ولماذا لم تعد حتى الآن
تقف رأس الملكة نفرتيتي اليوم في «المتحف الجديد» (Neues Museum) بجزيرة المتاحف في برلين، بعد أكثر من 113 عامًا على خروجها من تل العمارنة. والسؤال الذي يتكرر في مصر — متى تعود؟ — يصطدم بملف أكثر تعقيدًا مما يبدو من شعارات الطرفين.
فالجانب الألماني لا يقول «أخذناها وانتهى الأمر»، بل يستند إلى محضر قسمة موقّع وشهود ومصور. والجانب المصري لا يواجه رفضًا فحسب، بل يواجه أيضًا واقعًا قانونيًا صعبًا. وهذا التقرير يعرض الوقائع الموثقة من مصادرها، بما فيها ما تنشره المؤسسة الألمانية نفسها، وما يضعف موقفها.
من هي نفرتيتي؟
نفرتيتي زوجة الملك أخناتون، وعاشت في الأسرة الثامنة عشرة خلال القرن الرابع عشر قبل الميلاد، في واحدة من أكثر مراحل التاريخ المصري القديم اضطرابًا: مرحلة الانقلاب الديني الذي قدّم عبادة «آتون» على ما سواه، ونقل العاصمة إلى أخيتاتون في تل العمارنة.
واسمها يُقرأ «الجميلة أتت»، وهو معنى التصق بالتمثال حتى صار يُختزل فيه. لكن الرأس ليست تمثالًا تذكاريًا لملكة، بل — بحسب موضع العثور عليها داخل ورشة النحات تحتمس — قطعة من بيئة عمل فنية، وهو ما يفسر دقتها التشريحية وعنايتها بالتفاصيل.
ولهذا فإن قيمتها مزدوجة: رمز سياسي وديني لمرحلة فارقة، ونموذج نادر على مستوى النحت المصري في ذروته.
الاكتشاف: 6 ديسمبر 1912
عُثر على التمثال في السادس من ديسمبر 1912 في تل العمارنة، داخل مجمع الورش المسجل تحت الرمز «P 47.2»، المنسوب إلى النحات المصري القديم تحتمس.
وكان عالم الآثار الألماني لودفيغ بورشارت يقود الحفائر، لكنه — بحسب رواية المتحف نفسه — لم يكن حاضرًا لحظة العثور عليه، إذ كان في لقاء مع زوار من العائلة المالكة، وكان زميله هيرمان رانكه هو المشرف على فريق الحفر في تلك اللحظة.
وكانت البعثة تعمل بترخيص حفائر صادر عن مصلحة الآثار المصرية، وبتمويل من التاجر البرليني جيمس سيمون — وهذا التمويل هو مفتاح فهم ما جرى بعده.
القسمة: ما تقوله برلين بالضبط
جرت قسمة الحفائر في 20 يناير 1913 بإشراف المفتش المصري غوستاف لوفيفر. وتصف المؤسسة الألمانية الإجراء كما يلي:
- قُسمت المكتشفات «إلى نصفين متساويين تمامًا» (à moitié exacte).
- حصل كل طرف على سبع مجموعات من المكتشفات متقاربة الأهمية.
- أُدرجت الرأس باعتبارها أعلى القطع قيمة في النصيب الألماني، في مقابل لوحة أخناتون وأسرته في النصيب المصري.
- عُرضت صور جميع المكتشفات وجرى فحصها، وفُتحت الصناديق للمعاينة من الطرفين.
- دُوّنت الوقائع في يوميات الحفائر، وسُجّلت القسمة في محضر رسمي (Procès-Verbal du partage).
وتقول المؤسسة إن الاتفاق مع الجانب المصري كان ينص على «القسمة المتساوية — المعتادة آنذاك — لجميع المكتشفات مقابل تمويل الحفائر»، وإن الرأس «مُنحت بشكل مشروع للجانب البرليني».
اتهام الخداع: ادعاء منتشر ورد رسمي
يتردد على نطاق واسع أن بورشارت أخفى قيمة التمثال عمدًا، وأن بعض الروايات تذكر تغطيته بمادة طينية عند العرض على لجنة القسمة.
والموقف الألماني الرسمي ينفي ذلك صراحة: «لا مجال إذن للحديث عن خداع أثناء القسمة»، مستندًا إلى توافر صور المكتشفات وفتح الصناديق للفحص من الطرفين.
ونشير هنا إلى أن صفحات المتحف المخصصة للاكتشاف والقسمة لا تتناول رواية «التغطية بالطين» بعينها بالرد التفصيلي. وهذه رواية متداولة منذ عقود، وتُنسب إلى مصادر متفاوتة الموثوقية، ولذلك نعرضها هنا باعتبارها ادعاءً محل خلاف لا واقعة ثابتة. فالبناء على رواية غير محسومة يُضعف الموقف المصري لا يقويه.
من فيلا خاصة إلى قاعة عرض
لم يذهب التمثال إلى متحف فور وصوله برلين. فبعد القسمة في يناير 1913 نُقل إلى ألمانيا، واحتفظ به الممول جيمس سيمون في فيلته الخاصة بشارع تيرغارتنشتراسه، قبل أن يهبه إلى متاحف برلين عام 1920.
وعُرض على الجمهور لأول مرة في الأول من أبريل 1924 ضمن قسم المجموعة المصرية المعاد تصميمه بالمتحف الجديد — أي بعد أكثر من أحد عشر عامًا من خروجه من مصر.
وبعد نقله إبان الحرب العالمية الثانية، ظل معروضًا عقودًا في المتحف المصري ببرلين الغربية في شارلوتنبورغ، قبل أن يعود إلى المتحف الجديد بجزيرة المتاحف عام 2009.
وهذه الأعوام الأحد عشر بين القسمة والعرض الأول تفصيلة تستحق الانتباه: فالقطعة التي تُوصف اليوم بأنها «جزء من التراث الإنساني» بقيت أكثر من عقد في بيت رجل أعمال خاص.
محاولات الاسترداد: أين وصلت؟
لم تنجح المساعي المصرية منذ عشرينيات القرن الماضي. ومن المحطات الموثقة:
- فشل كل محاولة بذلتها السلطات المصرية منذ 1924 لاستعادة التمثال.
- طلب مصري إلى اليونسكو عام 2005 للتحكيم في القضية، ولم يفلح.
- عريضة أطلقها عالم الآثار الدكتور زاهي حواس، الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، في سبتمبر 2024، مستهدفة جمع مليون توقيع، وتجاوزت 223 ألف توقيع خلال أيام، وتشمل مطالب باسترداد حجر رشيد ودائرة دندرة الفلكية أيضًا.
النقطة التي يغفلها أغلب ما يُنشر
العريضة مبادرة أهلية، ولم تكن — وقت إطلاقها — مدعومة من الحكومة المصرية. بل إن رئيس المؤسسة الألمانية صرّح بأن الحكومة المصرية لم تطالب باستعادة رأس نفرتيتي.
وهذا يغيّر شكل النقاش تمامًا. فالسؤال «لماذا ترفض ألمانيا؟» يفترض وجود طلب رسمي قائم يُرفض. وواقع الملف أقرب إلى غياب مطالبة رسمية نشطة في مقابل ضغط شعبي وثقافي متصاعد.
ومعنى ذلك عمليًا أن الخطوة الأولى في أي مسار جاد ليست الإقناع، بل التقدم بطلب رسمي موثق — فبدونه لا يوجد ملف قانوني أصلًا ليُبحث.
سابقة برونزيات بنين وأهميتها الحقيقية
في 25 أغسطس 2022، نُقلت ملكية 512 قطعة من برونزيات بنين من مجموعة المتحف الإثنولوجي بالمتاحف الحكومية ببرلين إلى نيجيريا.
والتفصيلة الأهم في هذه السابقة ليست العدد، بل الترتيب: نحو ثلث القطع المنقولة ملكيتها تبقى معارة في برلين لمدة أولية عشر سنوات قابلة للتجديد بالاتفاق، وتُعرض في «منتدى هومبولت».
أي أن المؤسسة نفسها التي تحتفظ بنفرتيتي قبلت صيغة تفصل بين الملكية ومكان العرض. وهذا يهدم الافتراض الشائع بأن نقل الملكية يعني بالضرورة خلو قاعة العرض في برلين — وهو الافتراض الذي يجعل التفاوض يبدو معركة صفرية.
ولمتابعة تحول مشابه في أوروبا يمكن مراجعة تقريرنا عن قانون إعادة الآثار في فرنسا.
لماذا لا تنطبق سابقة بنين قانونيًا رغم أهميتها؟
الفارق الجوهري بين الملفين يستحق الوضوح، لأنه يفسر لماذا لم تتكرر النتيجة نفسها:
- برونزيات بنين أُخذت في سياق استعماري، ولا يوجد سند تعاقدي يبرر خروجها. ولهذا كان نقل الملكية تصحيحًا لوضع لا يدافع عنه أحد.
- رأس نفرتيتي خرجت عبر إجراء قسمة موثق بمحضر وشهود وصور، وبترخيص حفائر صادر عن الجهة المصرية المختصة آنذاك.
وهذا هو بالضبط ما يجعل الملف صعبًا: الاعتراض المصري في جوهره أخلاقي وتاريخي — على عدالة نظام القسمة نفسه الذي كان يمنح الممول الأجنبي نصف ما يُكتشف في أرض غيره — لا اعتراض على مخالفة إجرائية واضحة.
ومن هنا تأتي القيمة الحقيقية لسابقة بنين: ليست سندًا قانونيًا يُحتج به، بل دليل عملي على أن الجانب الألماني يقبل إعادة التفاوض على الملكية حين يتوافر ضغط سياسي وثقافي كافٍ وإطار يحفظ استمرار العرض. وهي بذلك سابقة في الإرادة لا في القانون.
الخيارات المطروحة أمام مصر
- طلب رسمي موثق عبر القنوات الدبلوماسية والثقافية — وهو الأساس الذي يبني عليه كل ما بعده.
- اتفاقية اليونسكو لعام 1970 بشأن الممتلكات الثقافية، مع ملاحظة قيدها الجوهري: لا تسري بأثر رجعي على ما خرج قبلها، وخروج التمثال كان في 1913.
- صيغة بنين: التفاوض على نقل الملكية مع إعارة طويلة، وهي صيغة سبق للجانب الألماني قبولها.
- العرض المؤقت في مصر، وهو مقترح مطروح شعبيًا لعرض التمثال في المتحف المصري الكبير، ولم يلقَ استجابة رسمية ألمانية حتى الآن.
وقيد 1970 هو جوهر الصعوبة القانونية: فالمسألة ليست هل خرج التمثال بطريقة عادلة أخلاقيًا، بل أي قانون كان ساريًا وقت خروجه. ولهذا يميل الملف إلى المسار التفاوضي أكثر من القضائي.
وللاطلاع على ما يضمه المتحف المصري الكبير اليوم وأسعار زيارته، راجع دليل تذاكر المتحف المصري الكبير.
أرقام ووقائع لا يصح تداولها في هذا الملف
- «عُرض لأول مرة عام 1923»: العرض الأول كان في الأول من أبريل 1924.
- «متحف نويز»: الاسم ترجمة حرفية مشوهة؛ وهو المتحف الجديد (Neues Museum) بجزيرة المتاحف.
- «60% من الألمان يؤيدون الإعادة»: رقم متداول لم نعثر له على مصدر معلن، ولذلك لا ننشره كمعطى.
- «آلاف القطع أُعيدت إلى نيجيريا»: الرقم الموثق هو 512 قطعة نُقلت ملكيتها في أغسطس 2022، مع بقاء نحو الثلث معارًا في برلين.
والدقة هنا ليست ترفًا. فملف استرداد أثري يُبنى على وثائق ومحاضر وتواريخ، وأي رقم مضخم أو رواية غير مسندة تُستخدم ضد صاحب المطالبة لا معه.
تبقى الرأس حتى اليوم حيث هي، وتبقى القصة مفتوحة على احتمالين: مسار قانوني تعترضه قاعدة عدم رجعية الاتفاقيات، ومسار تفاوضي أثبتت سابقة بنين أنه ليس مستحيلًا. والفارق بينهما أن الأول ينتظر تغيّر القانون، والثاني ينتظر طلبًا رسميًا مكتوبًا.
