هل تؤثر دهون البطن على هرمون التستوستيرون لدى الرجال؟
تراكم الدهون في منطقة البطن من أكثر المشكلات المرتبطة بزيادة الوزن شيوعًا لدى الرجال، لكن تأثيرها لا يقتصر على شكل الجسم أو محيط الخصر فقط، إذ تشير الأدلة الطبية إلى وجود علاقة واضحة بين زيادة الدهون الحشوية وانخفاض مستويات هرمون التستوستيرون لدى الرجال.
ويعد التستوستيرون من أهم الهرمونات الذكرية، إذ يشارك في الحفاظ على الكتلة العضلية وكثافة العظام والرغبة الجنسية وإنتاج الحيوانات المنوية، كما يرتبط بتوزيع الدهون في الجسم. وتزداد احتمالية انخفاض مستوياته لدى الرجال المصابين بالسمنة، خاصة عندما تكون الدهون مركزة حول البطن.
لكن هل يمكن القول إن دهون البطن تخفض التستوستيرون بشكل مباشر؟ وما العلاقة بين الدهون الحشوية والهرمونات؟ وهل يمكن أن يؤدي فقدان الوزن إلى تحسين مستويات التستوستيرون؟
ما العلاقة بين دهون البطن والتستوستيرون؟
تشير الدراسات إلى وجود علاقة عكسية بين كمية الدهون الحشوية ومستويات هرمون التستوستيرون؛ فكلما زادت الدهون المتراكمة داخل منطقة البطن، زادت احتمالية انخفاض مستويات الهرمون لدى بعض الرجال.
وفي دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في Journal of the Endocrine Society، شملت نحو 4948 رجلًا تتراوح أعمارهم بين 20 و59 عامًا، وجد الباحثون ارتباطًا قويًا وعكسيًا بين الدهون الحشوية ومستويات التستوستيرون.
واللافت أن الرجال الذين لديهم مستويات مرتفعة من الدهون الحشوية كانت لديهم مستويات تستوستيرون أقل بنسبة تراوحت بين 33% و36% مقارنة بآخرين لديهم مؤشرات عامة متشابهة للوزن لكن دهون حشوية أقل. كما ظهرت فروق كبيرة حتى بين الرجال الذين لديهم محيط خصر متقارب.
وهذا يشير إلى أن مكان تراكم الدهون قد يكون مهمًا بقدر كمية الدهون نفسها.
ما المقصود بالدهون الحشوية؟
ليست كل دهون الجسم متشابهة.
فالدهون الحشوية هي الدهون الموجودة حول الأعضاء الداخلية في منطقة البطن، وتختلف عن الدهون الموجودة مباشرة تحت الجلد.
وتتميز الدهون الحشوية بنشاطها الأيضي، فهي ليست مجرد مخزن للطاقة، وإنما تشارك في إفراز مواد يمكن أن تؤثر في عمليات الالتهاب وحساسية الإنسولين والتمثيل الغذائي ووظائف الهرمونات.
وتشير مراجعات حديثة إلى أن الأنسجة الدهنية الحشوية تعمل كعضو نشط في إفراز مواد التهابية، مع ارتباط السمنة باضطرابات أيضية يمكن أن تترافق مع انخفاض مستويات التستوستيرون لدى الرجال.

كيف يمكن أن تؤثر الدهون الزائدة في التستوستيرون؟
هناك أكثر من آلية محتملة تفسر العلاقة بين السمنة وانخفاض التستوستيرون، ولذلك لا يمكن اختزال الأمر في سبب واحد.
زيادة تحويل التستوستيرون إلى الإستروجين
تحتوي الأنسجة الدهنية على إنزيم يسمى الأروماتاز، ويمكنه تحويل جزء من هرمون التستوستيرون إلى الإستروجين.
ومع زيادة كمية الدهون في الجسم، يمكن أن يزداد نشاط هذه العملية، وهو أحد التفسيرات المقترحة للعلاقة بين السمنة والتغيرات في مستويات الهرمونات الجنسية لدى الرجال. وتوضح أبحاث من جمعية الغدد الصماء أن تحويل التستوستيرون إلى الإستروجين يحدث بشكل رئيسي في الأنسجة الدهنية لدى الرجال.
لكن هذا لا يعني أن كل رجل لديه دهون بالبطن سيعاني من نقص التستوستيرون، لأن مستويات الهرمون تتأثر أيضًا بالعمر والنوم والأدوية والأمراض المزمنة ووظائف الخصيتين والغدة النخامية وغيرها من العوامل.
السمنة والتستوستيرون.. علاقة قد تكون متبادلة
من أكثر الأمور المهمة أن العلاقة بين السمنة وانخفاض التستوستيرون قد تسير في الاتجاهين.
فمن ناحية، يمكن أن ترتبط زيادة الدهون الحشوية بانخفاض التستوستيرون.
ومن ناحية أخرى، يؤدي انخفاض التستوستيرون لدى بعض الرجال إلى تغيرات في تكوين الجسم، مثل زيادة الدهون وانخفاض الكتلة العضلية، وهو ما قد يجعل التحكم في الوزن أكثر صعوبة.
وتصف الأبحاث هذه العلاقة أحيانًا بأنها دائرة متبادلة بين السمنة ونقص التستوستيرون، إذ يرتبط انخفاض الهرمون بزيادة الدهون المركزية، بينما ترتبط السمنة بدورها بانخفاض مستويات التستوستيرون.
هل دهون البطن تعني بالضرورة انخفاض التستوستيرون؟
لا.
وجود بطن كبيرة أو زيادة في محيط الخصر لا يعني تلقائيًا أن الرجل يعاني من نقص هرمون التستوستيرون.
فقد يكون لدى رجل يعاني من زيادة الوزن مستوى هرموني طبيعي، بينما يعاني رجل آخر من انخفاض التستوستيرون لأسباب مختلفة.
كما أن قياس محيط الخصر أو مؤشر كتلة الجسم لا يعطي دائمًا صورة كاملة عن كمية الدهون الحشوية. وتوصلت الدراسة الحديثة لعام 2026 إلى أن كمية الدهون الحشوية قد تكشف فروقًا مهمة في مستويات التستوستيرون حتى بين رجال لديهم مؤشر كتلة جسم أو محيط خصر متشابه.
لذلك لا يمكن تشخيص نقص التستوستيرون اعتمادًا على شكل البطن فقط.
ما الأعراض التي قد تشير إلى انخفاض التستوستيرون؟
قد تظهر مجموعة من الأعراض لدى الرجال الذين يعانون من انخفاض حقيقي في التستوستيرون، ومنها:
- انخفاض الرغبة الجنسية.
- ضعف الانتصاب أو تراجع الأداء الجنسي.
- انخفاض الطاقة والنشاط.
- الشعور بالتعب بصورة مستمرة.
- انخفاض الكتلة العضلية.
- زيادة الدهون في الجسم.
- تراجع القدرة على ممارسة النشاط البدني.
- تغيرات في المزاج.
- صعوبة التركيز في بعض الحالات.
- انخفاض كثافة العظام على المدى الطويل.
- انخفاض إنتاج الحيوانات المنوية لدى بعض الرجال.
لكن وجود واحد أو أكثر من هذه الأعراض لا يكفي لتأكيد وجود نقص في التستوستيرون، لأن العديد منها قد يحدث بسبب قلة النوم أو الضغط النفسي أو بعض الأدوية أو الأمراض المزمنة أو اضطرابات أخرى.
هل فقدان الوزن يرفع التستوستيرون؟
تشير الأدلة إلى أن فقدان الوزن لدى الرجال الذين يعانون من السمنة يمكن أن يؤدي إلى تحسن مستويات التستوستيرون، خصوصًا عندما يكون انخفاض الهرمون مرتبطًا بالسمنة واضطراب التمثيل الغذائي.
وأظهرت دراسة تحليلية شملت 44 دراسة أن فقدان الوزن ارتبط بتحسن مستويات التستوستيرون لدى الرجال الذين يعانون من السمنة، سواء كان فقدان الوزن من خلال الحمية أو جراحات السمنة في الدراسات التي تناولتها المراجعة.
كما تشير جمعية الغدد الصماء إلى أن بعض الحالات التي تسبب انخفاض التستوستيرون، ومن بينها السمنة، قد تكون قابلة للتحسن دون الحاجة بالضرورة إلى العلاج بالتستوستيرون.
وهذا يجعل التعامل مع الوزن ونمط الحياة جزءًا مهمًا من تقييم الرجال الذين يعانون من أعراض مرتبطة بانخفاض التستوستيرون.
هل ممارسة الرياضة تساعد على تقليل دهون البطن والتستوستيرون؟
النشاط البدني المنتظم يساعد على تحسين صحة القلب والتمثيل الغذائي والتحكم في الوزن، كما أن تقليل الدهون الزائدة يمكن أن ينعكس بصورة إيجابية على البيئة الهرمونية لدى بعض الرجال.
لكن لا توجد طريقة سحرية لحرق دهون البطن وحدها. فقدان الدهون يحدث بصورة عامة عندما يستهلك الجسم طاقة أقل مما ينفقه على المدى المناسب، مع اختلاف النتائج من شخص لآخر.
وتبقى ممارسة تمارين المقاومة وتمارين النشاط الهوائي، إلى جانب نظام غذائي مناسب ونوم كافٍ، من المكونات الأساسية لتحسين تكوين الجسم وتقليل مخاطر السمنة.
ماذا عن النوم والتستوستيرون؟
لا ينبغي التركيز على الدهون وحدها عند الحديث عن التستوستيرون.
النوم غير الكافي واضطرابات النوم، ومن بينها انقطاع النفس أثناء النوم، يمكن أن ترتبط بمشكلات هرمونية وصحية أخرى، كما أن السمنة نفسها قد تزيد من احتمالية بعض اضطرابات النوم.
ولهذا، إذا كان الرجل يعاني من زيادة الوزن مع الشخير الشديد أو توقف التنفس أثناء النوم أو النعاس خلال النهار، فمن المهم مناقشة هذه الأعراض مع الطبيب.
هل يمكن معرفة مستوى التستوستيرون من الأعراض فقط؟
لا.
تشخيص نقص التستوستيرون يحتاج إلى الجمع بين الأعراض والعلامات المناسبة ونتائج التحاليل.
وتوصي إرشادات جمعية الغدد الصماء بعدم تشخيص قصور الغدد التناسلية لدى الرجل اعتمادًا على نتيجة واحدة فقط، وإنما يجب وجود أعراض أو علامات متوافقة مع نقص التستوستيرون إلى جانب انخفاض واضح ومتكرر في مستوى الهرمون. كما توصي بتأكيد القياس بإعادة تحليل التستوستيرون الكلي صباحًا أثناء الصيام.
وبناءً على النتائج والأعراض، قد يحتاج الطبيب إلى إجراء تحاليل إضافية لتحديد سبب انخفاض الهرمون.
هل يجب على الرجل تناول مكملات أو هرمون التستوستيرون؟
لا ينبغي استخدام التستوستيرون من تلقاء النفس بهدف التخلص من دهون البطن أو زيادة العضلات.
العلاج بالتستوستيرون مخصص لحالات محددة يتم تشخيصها طبيًا، وله فوائد ومخاطر واحتياطات يجب تقييمها قبل البدء به.
كما أن إرشادات جمعية الغدد الصماء تشدد على ضرورة وجود أعراض متوافقة مع نقص التستوستيرون إلى جانب انخفاض مؤكد ومستمر في مستويات الهرمون قبل تشخيص الحالة، مع البحث عن السبب الأساسي.
ويكتسب الأمر أهمية أكبر لدى الرجال الذين يرغبون في الإنجاب، لأن العلاج بالتستوستيرون قد يؤثر في إنتاج الحيوانات المنوية، ولذلك يجب أن يكون القرار الطبي فرديًا وتحت إشراف متخصص.
ماذا يفعل الرجل إذا كان لديه دهون كثيرة في البطن؟
الخطوة الأولى ليست شراء مكملات لرفع التستوستيرون، وإنما تقييم الحالة الصحية بصورة شاملة.
ومن الإجراءات المفيدة:
- العمل على خفض الوزن الزائد بصورة تدريجية.
- ممارسة النشاط البدني بانتظام.
- إضافة تمارين المقاومة إلى الروتين الرياضي وفق القدرة الصحية.
- تناول نظام غذائي متوازن وتقليل الأطعمة شديدة المعالجة والسكريات الزائدة.
- الحصول على نوم كافٍ ومنتظم.
- تجنب التدخين.
- متابعة ضغط الدم وسكر الدم والدهون.
- مراجعة الطبيب عند وجود أعراض مستمرة تشير إلى نقص التستوستيرون.
ولا يعني ذلك أن كل رجل لديه دهون بالبطن يحتاج إلى تحليل التستوستيرون، إذ توصي الإرشادات بعدم إجراء فحص روتيني لجميع الرجال دون وجود أعراض أو مؤشرات طبية تستدعي التقييم.
متى يجب زيارة الطبيب؟
يستحسن طلب التقييم الطبي إذا كان انخفاض الرغبة الجنسية أو ضعف الانتصاب أو التعب الشديد أو فقدان الكتلة العضلية مستمرًا، خصوصًا إذا كان مصحوبًا بالسمنة أو السكري أو اضطرابات النوم.
كما أن زيادة دهون البطن بصورة واضحة قد تكون مؤشرًا على وجود عوامل خطر أخرى مثل مقاومة الإنسولين واضطراب الدهون وارتفاع ضغط الدم، ولذلك فإن تقييم الصحة العامة قد يكون أكثر أهمية من التركيز على هرمون واحد.
الخلاصة: هل تؤثر دهون البطن على هرمون التستوستيرون؟
نعم، تشير الأدلة الطبية إلى وجود علاقة قوية بين زيادة الدهون الحشوية وانخفاض مستويات هرمون التستوستيرون لدى الرجال، وقد تكون الدهون الموجودة حول الأعضاء الداخلية أكثر ارتباطًا بهذا الانخفاض من مجرد الوزن أو مؤشر كتلة الجسم وحدهما. وقد أظهرت دراسة حديثة في عام 2026 أن الرجال الذين لديهم مستويات أعلى من الدهون الحشوية سجلوا مستويات تستوستيرون أقل حتى عند مقارنة رجال لديهم مؤشرات عامة متشابهة للوزن أو محيط الخصر.
وفي الوقت نفسه، لا تعني دهون البطن تلقائيًا الإصابة بنقص التستوستيرون، كما أن انخفاض الهرمون قد يكون له أسباب متعددة. وتشير الأدلة إلى أن فقدان الوزن وتحسين نمط الحياة يمكن أن يساعدا في رفع مستويات التستوستيرون لدى الرجال الذين يعانون من السمنة وانخفاض الهرمون المرتبط بها.
لذلك، فإن أفضل طريقة للتعامل مع المشكلة هي الاهتمام بصحة الجسم ككل، وعدم استخدام هرمون التستوستيرون أو المكملات الهرمونية دون تشخيص وإشراف طبي.
معلومات صحية موثوقة عبر موقع ميكسات فور يو
يقدم موقع ميكسات فور يو موضوعات صحية وتوعوية تساعد القارئ على فهم العلاقة بين الوزن والهرمونات ونمط الحياة، مع التأكيد على أن المعلومات المنشورة للتوعية ولا تغني عن استشارة الطبيب أو إجراء الفحوصات اللازمة.
وأي رجل يعاني من أعراض مستمرة يشتبه في ارتباطها بانخفاض التستوستيرون، خاصة مع السمنة أو الأمراض المزمنة، من الأفضل أن يخضع لتقييم طبي شامل بدلًا من الاعتماد على الأعراض وحدها.
