متى أُنشئت أول جامعة مصرية؟ قصة الجامعة المصرية من 1908 إلى جامعة القاهرة
سؤال "متى أُنشئت أول جامعة مصرية؟" له إجابتان صحيحتان، والخلط بينهما هو سبب الحيرة. فإذا كان المقصود أقدم مؤسسة تعليمية عليا ما زالت قائمة، فالجواب هو الأزهر الذي بدأ التدريس فيه في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي). أما إذا كان المقصود أول جامعة مدنية حديثة بمعناها المعروف اليوم — كليات وأقسام وشهادات جامعية — فالجواب هو الجامعة المصرية التي افتُتحت في 21 ديسمبر 1908، وصارت لاحقًا جامعة القاهرة.
والقصة الأهم ليست في التاريخ نفسه، بل في كيفية إنشائها: جامعة مُوّلت بالاكتتاب الشعبي، في بلد تحت الاحتلال، ضد رغبة سلطة الاحتلال نفسها.
الأزهر: الجذر الأقدم
أُنشئ الجامع الأزهر في عهد الدولة الفاطمية في القرن العاشر الميلادي، وبدأت فيه حلقات الدرس بعد سنوات قليلة من بنائه، فصار من أقدم مؤسسات التعليم المستمرة في العالم. لكن نظامه كان قائمًا على حلقات الشيوخ والإجازات العلمية لا على الكليات والدرجات الجامعية الحديثة.
ولهذا فإن وصف الأزهر بأنه "أقدم جامعة" صحيح من زاوية الاستمرارية والعراقة، بينما وصف الجامعة المصرية بأنها "أول جامعة مصرية" صحيح من زاوية النموذج الجامعي الحديث. الوصفان لا يتعارضان، وكل منهما يجيب عن سؤال مختلف.
فكرة وُلدت من الشعور بالنقص
في مطلع القرن العشرين كانت مصر تملك مدارس عليا متفرقة — الطب والحقوق والهندسة والمعلمين — لكنها كانت مدارس مهنية تخرّج موظفين، لا جامعة تنتج معرفة وتناقش الأفكار. وكان أبناء الطبقة الميسورة يسافرون إلى أوروبا للدراسة، بينما لا يجد غيرهم بابًا.
وفي أكتوبر 1906 نشر مصطفى كامل دعوة في الصحف للاكتتاب العام من أجل إنشاء جامعة مصرية، وأعلن اكتتابه بخمسمئة جنيه، وهو مبلغ ضخم بمقاييس ذلك الزمن. وتجاوبت فئات واسعة، حتى تخطت التبرعات آلاف الجنيهات، وشارك في الدعوة رجال من تيارات فكرية متباينة: محمد عبده، ومحمد فريد، وقاسم أمين، وسعد زغلول.
وتولى الأمير أحمد فؤاد رئاسة اللجنة، بينما تبرعت الأميرة فاطمة بنت الخديوي إسماعيل بأرض زراعية واسعة أوقفت ريعها على الجامعة، وهو ما منح المشروع أساسًا ماليًا مستمرًا لا يعتمد على حماس اللحظة.
لماذا عارض الاحتلال الفكرة؟
لم تكن معارضة سلطة الاحتلال للمشروع ناتجة عن اعتراض على التعليم في ذاته، بل على ما ينتجه. فوجود طبقة مصرية متعلمة تعليمًا عاليًا يعني نخبة تفكر في الاستقلال بوصفه مشروعًا كاملًا، لا مجرد جلاء عسكري. ولهذا وُصف المشروع بأنه سابق لأوانه، وقُوبل بالفتور الرسمي.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية التمويل الشعبي: لأن الجامعة لم تنشأ بقرار حكومي، لم يكن بالإمكان إيقافها بقرار حكومي.
يوم الافتتاح: 21 ديسمبر 1908
افتُتحت الجامعة المصرية الأهلية في 21 ديسمبر 1908، ولم يكن لها مبنى خاص بها. فبدأت الدراسة في قاعات مستعارة ومقار متفرقة، وأُعلن عن مواعيد المحاضرات في الصحف حتى يعرف الطلاب أين ومتى يحضرون.
وكان نموذجها في سنواتها الأولى أقرب إلى جامعة مفتوحة منه إلى كلية نظامية: محاضرات عامة في الأدب والتاريخ والفلسفة والاقتصاد، يلقيها أساتذة مصريون وأجانب، ويحضرها من يرغب. كما أُوفد طلاب إلى أوروبا على نفقتها ليعودوا أساتذة فيها لاحقًا، وهي خطوة أسست لجيل كامل من الأكاديميين المصريين.
من جامعة أهلية إلى جامعة الدولة
ظلت الجامعة تعتمد على التبرعات والأوقاف نحو سبعة عشر عامًا، وهو نموذج نبيل لكنه هش. وفي مارس 1925 صدر قرار بإنشاء الجامعة المصرية بوصفها جامعة حكومية، فاندمجت فيها الجامعة الأهلية مع المدارس العليا القائمة، وتشكلت من أربع كليات: الآداب والعلوم والطب والحقوق.
وبهذا انتقلت الجامعة من كونها مبادرة مجتمعية إلى كونها مؤسسة دولة لها ميزانية ومقار وهيكل ثابت. وتولى أحمد لطفي السيد إدارتها، وهو الذي عُرف لاحقًا بلقب "أستاذ الجيل".
ثم حملت الجامعة اسم الملك فؤاد الأول في مرحلة لاحقة — وتختلف المصادر المنشورة في تحديد سنة إطلاق الاسم بدقة — قبل أن يُغيَّر اسمها إلى "جامعة القاهرة" في 28 سبتمبر 1953 بعد ثورة يوليو.
1929: دخول الطالبات
في عام 1929 التحقت أول دفعة من الطالبات المصريات بالجامعة، وكانت سهير القلماوي أشهر أسمائها. درست في كلية الآداب بقسم اللغة العربية على يد طه حسين، وحصلت على الليسانس عام 1933، ثم الماجستير عام 1937 برسالة عن أدب الخوارج في العصر الأموي، ثم الدكتوراه عام 1941 برسالتها عن ألف ليلة وليلة، لتصبح أول مصرية تنال الدكتوراه من الجامعة.
ولم يكن الأمر هيّنًا في حينه؛ فقد واجه التحاق الفتيات بالجامعة اعتراضًا اجتماعيًا واسعًا. ولهذا فإن تاريخ 1929 ليس تفصيلة في سيرة الجامعة، بل نقطة تحول في تاريخ التعليم المصري كله، لأنه فتح بابًا لم يُغلق بعدها.
القبة والحرم الجامعي
انتقلت الجامعة إلى حرمها في الجيزة، حيث بُني المبنى الرئيسي بقبته الشهيرة التي صارت أيقونة بصرية للتعليم المصري كله، وأُقيم برج الساعة الذي كان يُنظم مواعيد المحاضرات قبل انتشار الساعات الشخصية.
وقد تحولت القبة لاحقًا إلى رمز يتجاوز الجامعة نفسها: تظهر في الأفلام، وعلى الأوراق الرسمية، وفي شعارات الخريجين، باعتبارها علامة على لحظة قررت فيها مصر أن تبني معرفتها بنفسها.
1914: أول دكتوراه مصرية
بعد ست سنوات فقط من الافتتاح، وفي 5 مايو 1914، ناقش طه حسين رسالته عن أبي العلاء المعري ليصبح أول مصري يحصل على درجة الدكتوراه من الجامعة المصرية. والحدث في سياقه أكبر من كونه إنجازًا فرديًا: جامعة وليدة، تمولها تبرعات، تمنح أرفع درجة علمية لطالب كفيف جاء من قرية في صعيد مصر ودرس في الأزهر قبل أن ينتقل إليها.
ولم يكن طريقه مفروشًا؛ فقد أثارت أطروحاته جدلًا واسعًا في حياته كلها، وهو جدل يوضح وظيفة الجامعة الحقيقية: أن تكون مكانًا يُختبر فيه الرأي بالحجة، لا مكانًا يُكرر فيه المتفق عليه.
أساتذة من الخارج وطلاب إلى الخارج
اعتمدت الجامعة في بدايتها على استقدام أساتذة مستشرقين أوروبيين للتدريس في اللغات والتاريخ والفلسفة، لأن عدد المتخصصين المصريين في هذه المجالات كان محدودًا. وفي الوقت نفسه أوفدت بعثات من طلابها إلى أوروبا لنيل الدرجات العلمية على أن يعودوا للتدريس فيها.
هذه السياسة المزدوجة — استيراد الخبرة وتصدير الطلاب في آنٍ واحد — هي ما مكّن الجامعة خلال عقدين من الاستغناء تدريجيًا عن الأساتذة الأجانب وبناء هيئة تدريس مصرية كاملة. وهي فكرة إدارية تستحق التأمل حتى اليوم في أي قطاع يبدأ من نقطة ضعف.
الجامعة والشارع
منذ سنواتها الأولى لم تكن الجامعة معزولة عما يجري خارجها. ففي ثورة 1919 كان طلابها في قلب الحراك، وتكرر الأمر في محطات لاحقة من تاريخ مصر الحديث. ولهذا ارتبطت صورة الجامعة في الذاكرة الجمعية بالمعرفة والسياسة معًا، وهو ارتباط أنتج توترًا دائمًا بين استقلال الجامعة وبين محاولات ضبطها.
محطات في سطور
- أكتوبر 1906: دعوة الاكتتاب العام لإنشاء الجامعة.
- 21 ديسمبر 1908: افتتاح الجامعة المصرية الأهلية.
- 5 مايو 1914: أول دكتوراه تمنحها الجامعة لطه حسين.
- مارس 1925: تحولها إلى جامعة حكومية بأربع كليات.
- 1929: التحاق أول دفعة من الطالبات.
- 1941: سهير القلماوي أول مصرية تنال الدكتوراه من الجامعة.
- 28 سبتمبر 1953: تغيير الاسم إلى جامعة القاهرة.
ماذا بعد الجامعة الأولى؟
نجاح التجربة فتح الطريق أمام توسع تدريجي، فظهرت جامعات أخرى تباعًا في الإسكندرية وعين شمس وأسيوط، ثم اتسعت الخريطة لتشمل جامعات في معظم المحافظات، قبل أن تدخل الجامعات الخاصة والأهلية والدولية إلى المشهد في العقود الأخيرة.
والمقارنة بين 1908 و2026 تكشف حجم التحول: جامعة واحدة بلا مبنى، مقابل منظومة تضم عشرات الجامعات ومئات الكليات وملايين الطلاب. لكن التحدي تغيّر أيضًا: لم يعد السؤال "هل نملك جامعات؟" بل "ما جودة ما تنتجه؟".
ثلاث أفكار من قصة التأسيس ما زالت صالحة
- التمويل المجتمعي ممكن: مشروع بهذا الحجم قام على اكتتاب عام وأوقاف، في وقت كان الدخل فيه أقل بكثير. الفكرة لم تمت، وإن تغيّرت أدواتها.
- الاستقلال يبدأ بالمعرفة: رواد المشروع رأوا أن تحرير الأرض لا يكتمل دون تحرير العقل، ولهذا بدأوا من الجامعة لا من السياسة وحدها.
- البنية تُبنى بالناس لا بالمباني: الجامعة بدأت بلا مقر، وأوفدت طلابها ليعودوا أساتذة. الاستثمار في البشر سبق الاستثمار في الحجر.
أسئلة شائعة
ما أول جامعة مصرية حديثة؟
الجامعة المصرية التي افتُتحت في 21 ديسمبر 1908، والمعروفة اليوم باسم جامعة القاهرة.
وماذا عن الأزهر؟
الأزهر أقدم بكثير ويعود إلى القرن العاشر الميلادي، وهو من أقدم مؤسسات التعليم المستمرة في العالم، لكن نظامه في نشأته كان حلقات علمية لا كليات جامعية حديثة.
من صاحب فكرة الجامعة المصرية؟
الفكرة جماعية وليست فردية، لكن دعوة الاكتتاب العام التي أطلقها مصطفى كامل عام 1906 كانت الشرارة العملية، وشارك فيها عدد من رموز ذلك الجيل.
متى دخلت الفتيات الجامعة؟
عام 1929 التحقت أول دفعة من الطالبات، ومنهن سهير القلماوي التي أصبحت أول مصرية تحصل على الدكتوراه من الجامعة عام 1941.
متى صار اسمها جامعة القاهرة؟
في 28 سبتمبر 1953.
ما يستحق التذكّر من التاريخ
أهم ما في قصة 1908 ليس التاريخ الذي يُحفظ للامتحان، بل أن الجامعة الأولى لم تنتظر أن تُمنح، بل جُمع ثمنها من جيوب الناس. وهذه الفكرة — أن المجتمع قادر على تأسيس ما يعجز عنه أو يتأخر فيه غيره — أكثر ما يستحق النقل من تلك القصة إلى اليوم.
