هل يجوز الكذب في الضرورة؟.. دار الإفتاء تكشف 3 حالات استثنائية
يتساءل كثير من الناس عن حكم الكذب عند التعرض لموقف صعب أو ضرورة شديدة، وهل توجد حالات يُسمح فيها للإنسان بألا يقول الحقيقة كاملة، أم أن الكذب يظل محرمًا مهما كانت الظروف والنتائج؟
وأوضحت دار الإفتاء المصرية أن الأصل في الكذب هو التحريم، لما يترتب عليه من أضرار تمس الفرد والمجتمع، إلا أن الشريعة الإسلامية رخّصت فيه في حالات محددة واستثنائية، إذا كان القصد منها تحقيق مصلحة معتبرة أو دفع ضرر كبير، مع عدم الاعتداء على حقوق الآخرين.
وتتمثل الحالات الثلاث المشهورة في الإصلاح بين المتخاصمين، والحرب، وحديث الزوج لزوجته أو الزوجة لزوجها بما يحقق المودة ويؤلف القلوب، إلا أن هذه الاستثناءات ليست مطلقة، ولا يجوز استخدامها مبررًا للغش أو الخيانة أو أكل الأموال بالباطل.
ويستعرض موقع ميكسات فور يو في السطور التالية حكم الكذب في الضرورة، والحالات الثلاث التي وردت فيها الرخصة، وضوابط كل حالة، والفرق بين الكذب والتورية، وطريقة التوبة من الكذب.
ما حكم الكذب في الإسلام؟
الكذب من الأخلاق المذمومة التي حذرت منها الشريعة الإسلامية، لما يؤدي إليه من ضياع الثقة، وإفساد العلاقات، والاعتداء على الحقوق، ونشر العداوة بين الناس.
والصدق هو الأصل في كلام المسلم ومعاملاته، كما أنه من أهم الصفات التي تساعد على استقرار المجتمع، لأن المعاملات المالية والأسرية والمهنية والقضائية لا يمكن أن تستقيم إذا فقد الناس الثقة في أقوال بعضهم بعضًا.
ولا يقتصر الكذب على اختلاق قصة كاملة، بل قد يشمل:
- نقل معلومة يعلم الإنسان أنها غير صحيحة.
- إنكار واقعة حدثت بالفعل.
- الادعاء بامتلاك صفة أو حق غير موجود.
- إخفاء جزء جوهري من الحقيقة بهدف خداع الآخرين.
- نشر الشائعات دون التأكد من صحتها.
- تقديم مستندات أو بيانات مخالفة للواقع.
- أداء شهادة زور.
- الحلف كذبًا للحصول على حق أو مال.
- المبالغة التي تؤدي إلى تضليل المستمع.
- نسبة قول إلى شخص لم يقله.
ولهذا فإن مجرد وصف الإنسان لموقفه بأنه «ضرورة» لا يكفي وحده لإباحة الكذب، لأن الضرورة لها شروط وضوابط ولا تخضع للأهواء الشخصية.

دار الإفتاء توضح 3 حالات استثنائية
أوضحت دار الإفتاء أن هناك ثلاث حالات ورد فيها الترخيص، مستندة إلى الحديث الوارد عن أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها، والذي يفيد أن الترخيص جاء في الإصلاح بين الناس، وفي الحرب، وفي حديث الرجل لزوجته والمرأة لزوجها.
وتتمثل الحالات الثلاث في:
- الكذب بقصد الإصلاح بين المتخاصمين.
- الكذب في الحرب وخداع العدو.
- الكلام بين الزوجين بما يرضي الطرف الآخر ويؤلف القلوب.
لكن الرخصة في هذه الحالات مقيدة بتحقيق مقصدها، ولا يجوز التوسع فيها أو استخدامها للاستيلاء على حق، أو إخفاء جريمة، أو تبرير خيانة، أو خداع طرف آخر في أمر مؤثر.
الحالة الأولى: الكذب للإصلاح بين الناس
الإصلاح بين الناس من الأعمال العظيمة التي حث عليها الإسلام، لما يحققه من إنهاء الخصومات ومنع العداوة وإعادة المودة بين أفراد الأسرة أو الأصدقاء أو الجيران.
وقد يحتاج الشخص الذي يتوسط بين متخاصمين إلى نقل كلمات طيبة من أحدهما إلى الآخر، حتى لو لم تُقَل بالنص نفسه، كأن يخبر الطرف الأول بأن الطرف الثاني يقدره ولا يريد استمرار الخلاف، ثم ينقل للطرف الآخر كلامًا مشابهًا بهدف تهيئة النفوس للصلح.
والمقصود هنا ليس صناعة وقائع كاذبة تضر أحد الطرفين، بل استخدام الكلام الطيب الذي يقرب القلوب ويزيل أسباب النزاع.
مثال على الإصلاح بين المتخاصمين
إذا وقع خلاف بين صديقين، وأخبر المصلح أحدهما بأن الآخر نادم ويرغب في إنهاء الخلاف، بقصد تهدئة الموقف وتقريب وجهات النظر، فقد يدخل ذلك في الرخصة إذا كان يؤدي فعلًا إلى الصلح ولا يترتب عليه ضياع حق.
كما يمكن للمصلح أن يذكر الصفات الحسنة لكل طرف أمام الآخر، وأن يتجنب نقل الإهانات أو الكلمات الغاضبة التي لا يترتب على نقلها إلا زيادة الخلاف.
ضوابط الكذب للإصلاح بين الناس
حتى يكون الكلام داخلًا في باب الإصلاح، ينبغي مراعاة عدة ضوابط:
- أن تكون النية صادقة في إنهاء الخصومة.
- أن توجد مصلحة حقيقية متوقعة من الكلام.
- ألا يؤدي الكلام إلى ضياع حق مالي أو قانوني.
- ألا يتضمن اتهام شخص بريء.
- ألا يُستخدم لحماية معتدٍ أو ظالم من المساءلة.
- ألا يؤدي إلى اشتعال خلاف أكبر.
- أن يكون بقدر الحاجة فقط.
- تفضيل التورية والكلام المحتمل متى أمكن.
ولا يجوز لمن يتوسط في نزاع أن يختلق اعترافًا بدين، أو يتنازل عن حق شخص دون إذنه، أو يقدم شهادة كاذبة أمام القضاء بحجة الإصلاح.
فالإصلاح لا يعني تعطيل العدالة، وإنما يهدف إلى تقريب النفوس مع حفظ الحقوق.
هل إخفاء كلام جارح يُعد كذبًا؟
ليس كل امتناع عن نقل الكلام كذبًا؛ فالإنسان غير مطالب بإبلاغ الآخرين بكل ما قيل عنهم، خصوصًا إذا كان نقل الكلمات الجارحة سيؤدي إلى الفتنة والعداوة.
ومن الحكمة ألا ينقل الإنسان النميمة أو الإهانات بين الناس، ويمكنه عند السؤال أن يركز على الكلام الحسن أو يقول إنه لا يريد أن يكون سببًا في زيادة الخلاف.
ولا يجوز اعتبار نقل كل كلمة مؤذية نوعًا من الصراحة المطلوبة؛ لأن الصدق لا يعني إثارة الفتن أو الإضرار بالعلاقات دون فائدة.
الحالة الثانية: الكذب في الحرب
الحالة الثانية التي ورد فيها الترخيص هي الحرب، والمقصود بها خداع العدو في إطار الحرب المشروعة، مثل إخفاء الخطط العسكرية وتحركات القوات والمعلومات التي قد يؤدي كشفها إلى تعريض الأرواح للخطر أو إلحاق الضرر بالبلاد.
وتقوم الحروب بطبيعتها على إخفاء المعلومات والتمويه والمناورة، ولذلك جاء الترخيص في الخداع العسكري الذي يحقق مصلحة مشروعة ويحمي الناس.
ما المقصود بخداع العدو؟
قد يشمل خداع العدو صورًا مثل:
- إخفاء موقع القوات.
- التمويه بشأن توقيت التحرك.
- عدم الكشف عن الخطط العسكرية.
- تقديم معلومات مضللة للعدو لمنعه من تنفيذ اعتداء.
- استخدام وسائل الخداع التكتيكي المعروفة.
- حماية الأسرار المتعلقة بأمن البلاد.
- منع وصول المعلومات الحساسة إلى الطرف المعادي.
لكن هذه الرخصة لا تعني إباحة كل تصرف أثناء الحرب، ولا تبرر الغدر أو الاعتداء على المدنيين أو نقض العهود والمواثيق.
الفرق بين الخداع في الحرب والغدر
الخداع في الحرب يتعلق بإخفاء الخطط والقدرات والتحركات عن العدو، وهو أمر مختلف عن الغدر ونقض العهود.
فإذا وُجد عهد أو أمان أو اتفاق ملزم، فلا يجوز استخدام الرخصة في الكذب لتبرير خيانته. كما لا يجوز استهداف أشخاص حصلوا على الأمان، أو الاعتداء على الحقوق التي كفلتها الاتفاقات.
إذن، الرخصة تتعلق بالتمويه العسكري المشروع، ولا تتعلق بالغدر أو الخيانة أو مخالفة القواعد التي تحفظ الدماء والحقوق.
هل يجوز لأي شخص استخدام استثناء الحرب؟
هذا الاستثناء لا يتعلق بالمشاحنات اليومية أو المنافسة في العمل أو الخلافات الشخصية، ولا يجوز لشخص أن يصف نزاعًا عاديًا بأنه «حرب» حتى يبرر الكذب على خصمه.
كما لا يدخل فيه الغش التجاري أو تضليل المنافسين أو نشر الشائعات ضد الآخرين. المقصود هو حالة الحرب الفعلية وما يرتبط بها من حماية البلاد والأرواح والمعلومات العسكرية والأمنية.
الحالة الثالثة: حديث الزوجين بما يؤلف القلوب
الحالة الثالثة هي حديث الرجل لزوجته أو المرأة لزوجها بما يحقق الألفة والمودة ويحافظ على استقرار الأسرة.
ومن أمثلة ذلك عبارات المحبة والثناء والمجاملة التي يقصد بها إدخال السرور على الطرف الآخر، حتى إذا كان المتحدث يستخدم شيئًا من المبالغة غير المؤذية.
فقد يقول الزوج لزوجته إنها أجمل النساء في نظره، أو تقول الزوجة لزوجها إنه الأقرب إلى قلبها، أو يتبادل الطرفان عبارات تؤدي إلى تقوية المودة، ولا يترتب عليها ضياع حقوق أو خداع في أمر جوهري.
ما حدود الكذب المسموح بين الزوجين؟
الرخصة بين الزوجين لا تشمل كل شيء، ولا تعني أن الحياة الزوجية يمكن أن تقوم على الخداع وإخفاء الحقائق المهمة.
ويقتصر الأمر على الكلام الذي:
- يزيد المودة.
- يرضي الطرف الآخر.
- يخفف خلافًا بسيطًا.
- يشجع الزوج أو الزوجة.
- يجبر الخاطر.
- لا يؤدي إلى ضياع حق.
- لا يخفي ضررًا حقيقيًا.
- لا يستخدم للتلاعب أو السيطرة.
أما الكذب الذي يتعلق بالحقوق والالتزامات والأموال والخيانة والصحة والأبناء، فلا يدخل في المجاملة التي رُخص فيها.
أمثلة لا تدخل في الرخصة بين الزوجين
لا يجوز لأحد الزوجين الاستناد إلى هذا الاستثناء لتبرير:
- إخفاء الديون المؤثرة في ميزانية الأسرة.
- الاستيلاء على مال الطرف الآخر.
- إنكار خيانة أو علاقة محرمة.
- الكذب بشأن مرض خطير يؤثر في الطرف الآخر.
- إخفاء زواج أو مسؤولية أسرية قائمة.
- التلاعب في النفقات والحقوق المالية.
- تقديم معلومات كاذبة قبل الزواج في أمور جوهرية.
- إنكار الاعتداء أو الإساءة.
- تضليل الطرف الآخر بشأن ممتلكاته.
- الكذب أمام القضاء في نزاع أسري.
فهذه الأمور تتعلق بالحقوق والثقة والمسؤولية، ولا تدخل في باب الكلمات التي يقصد بها تأليف القلوب.
هل يجوز للزوج الكذب بشأن المال؟
إذا كان السؤال متعلقًا بحق مالي للزوجة أو الأسرة، فلا يجوز تقديم معلومات كاذبة بهدف حرمانها من حقها أو التهرب من المسؤوليات.
كما لا يجوز للزوجة إخفاء مال يملكه الزوج أو التصرف في ممتلكاته دون حق ثم الكذب عليه، لأن الاستثناء المتعلق بالحياة الزوجية لا يبيح الاعتداء على الأموال.
أما المجاملة التي لا يترتب عليها التزام مالي أو ضرر، فتختلف عن الخداع المتعلق بالحقوق.
هل يجوز الكذب لمنع مشكلة زوجية؟
يعتمد الحكم على طبيعة المشكلة والموضوع الذي يدور حوله الكلام. فإذا كان الأمر متعلقًا بمجاملة بسيطة أو كلمة طيبة تمنع خلافًا لا سبب حقيقيًا له، فقد يدخل في باب التأليف بين القلوب.
أما إذا تعلق الأمر بحق أو أمانة أو تصرف مؤذٍ، فلا ينبغي استخدام الكذب لإخفائه. وقد يكون من الأفضل اختيار وقت مناسب للمصارحة، أو الاستعانة بمتخصص في الإرشاد الأسري عند تعقد المشكلة.
هل يجوز الكذب عند الضرورة خارج الحالات الثلاث؟
الأصل العام هو تحريم الكذب، لكن أهل العلم تحدثوا عن حالات الضرورة التي يكون فيها الصدق سببًا مباشرًا في وقوع ظلم جسيم على شخص بريء، ولا يمكن دفع هذا الضرر بوسيلة أخرى.
ومن الأمثلة التي ذكرها العلماء أن يبحث شخص ظالم عن إنسان بريء ليقتله أو يؤذيه، ويعلم المسؤول مكانه. في هذه الحالة يجب حماية البريء وعدم تسليمه إلى المعتدي، مع استخدام التورية إن أمكن.
لكن تقدير الضرورة يجب ألا يخضع لمجرد الخوف من الإحراج أو العقوبة المستحقة، ولا يمكن مساواة الضرر الجسيم بفقدان مصلحة شخصية أو تجنب نقاش صعب.
شروط الضرورة التي قد تبيح المحظور
عند الحديث عن الضرورة، ينبغي مراعاة مجموعة من الشروط، منها:
- وجود خطر حقيقي وليس وهميًا.
- أن يكون الضرر شديدًا ومتوقعًا بدرجة معتبرة.
- عدم وجود وسيلة مباحة لدفع الضرر.
- استخدام أقل قدر ممكن من المخالفة.
- ألا يترتب على دفع الضرر إيقاع ضرر أكبر بإنسان بريء.
- عدم الاعتداء على حقوق الآخرين.
- انتهاء الرخصة بانتهاء الضرورة.
- الرجوع إلى أهل الاختصاص عند تعقد المسألة.
ولا يُعد الخوف من انكشاف خطأ ارتكبه الإنسان ضرورة تبيح له الكذب، كما لا يجوز استخدام الضرورة للتهرب من دين أو مسؤولية أو عقوبة مستحقة.
التورية بديل عن الكذب الصريح
من الوسائل التي ذكرها العلماء لتجنب الكذب الصريح استخدام التورية أو المعاريض، وهي أن يقول الإنسان كلامًا يحتمل أكثر من معنى، فيفهم السامع معنى بينما يقصد المتحدث معنى صحيحًا آخر.
لكن التورية ليست وسيلة مفتوحة لخداع الناس وأكل حقوقهم، وإنما تُستخدم عند وجود حاجة صحيحة، وبشرط ألا يترتب عليها ظلم أو غش أو إضرار بالآخرين.
أمثلة على التورية
يمكن للشخص الذي لا يريد الكشف عن أمر خاص أن يقول: «لا أستطيع التحدث عن هذا الموضوع»، بدلًا من اختلاق قصة غير صحيحة.
وإذا سُئل إنسان عن سر ائتمنه عليه شخص آخر، فيمكنه أن يعتذر عن الإجابة، أو يؤكد أنه لا يستطيع مشاركة معلومات الآخرين، دون أن يكذب.
كما يستطيع الوسيط بين المتخاصمين التركيز على الكلمات الحسنة التي قالها كل طرف، وتجنب نقل الكلمات السيئة، بدلًا من اختلاق تفاصيل كثيرة قد تؤدي إلى مشكلة لاحقة.
متى تكون التورية غير جائزة؟
تكون التورية محرمة إذا استُخدمت من أجل:
- الاستيلاء على مال.
- إسقاط حق ثابت.
- الغش في البيع والشراء.
- تضليل جهة رسمية.
- الحصول على دعم أو خدمة دون استحقاق.
- التهرب من دين.
- شهادة الزور.
- إخفاء عيب واجب الإفصاح عنه.
- التحايل على القانون.
- ظلم شخص بريء.
فالعبرة ليست بشكل العبارة فقط، وإنما بالمقصد والنتيجة والحقوق المترتبة عليها.
لا يجوز الكذب على الجهات الرسمية
حذرت دار الإفتاء في فتاوى متعددة من الإدلاء ببيانات كاذبة إلى الجهات الرسمية للحصول على منفعة أو خدمة أو تصريح لا يستحقه الشخص.
ومن صور ذلك:
- تزوير بيانات الدخل.
- تقديم شهادة عمل غير حقيقية.
- إخفاء أملاك للحصول على دعم.
- تقديم بيانات كاذبة لحجز وحدة سكنية.
- استخراج مستند رسمي بطريق التحايل.
- ادعاء صفة غير صحيحة.
- تقديم عقد وهمي.
- الكذب بشأن الحالة الاجتماعية.
- التهرب من الضرائب أو الرسوم المستحقة.
- التحايل للحصول على تأشيرة أو تصريح.
ولا تدخل هذه الأفعال في الحالات المستثناة، لأنها تجمع بين الكذب والغش وأخذ ما قد لا يستحقه الإنسان، وقد تؤدي إلى حرمان شخص مستحق من حقه.
حكم الكذب للحصول على وظيفة
لا يجوز تقديم سيرة ذاتية تتضمن شهادات أو خبرات لم يحصل عليها المتقدم، كما لا يجوز ادعاء إجادة مهارة لا يعرفها بهدف اجتياز المقابلة.
فهذا الكذب قد يترتب عليه الحصول على وظيفة على حساب شخص آخر، أو تولي مسؤولية لا يقدر المتقدم على أدائها، وقد يؤدي إلى إلحاق الضرر بالعمل والناس.
ويمكن للشخص عرض خبراته الحقيقية بصورة جيدة، لكنه لا يجوز له اختلاق المؤهلات أو تزوير المستندات.
هل المجاملة تُعد كذبًا؟
المجاملة ليست كذبًا في جميع الأحوال. فإذا ركز الإنسان على جانب حسن حقيقي، أو استخدم عبارة لطيفة تحتمل أكثر من معنى، فلا حرج في ذلك.
لكن إذا تضمنت المجاملة شهادة غير صحيحة يترتب عليها حق أو قرار، فقد تصبح كذبًا محرمًا. وهناك فرق بين أن يقول الشخص لصديقه: «أسعدني وجودك»، وبين أن يشهد له بمهارة لا يمتلكها ليحصل على وظيفة حساسة.
لذلك يُنظر إلى مضمون الكلام والنتيجة التي تترتب عليه.
هل السكوت عن الحقيقة كذب؟
السكوت ليس كذبًا في ذاته، وقد يكون مطلوبًا إذا كان الكلام سيؤدي إلى فتنة ولا يتعلق بحق يجب بيانه.
لكن السكوت قد يصبح مشاركة في الغش أو الظلم إذا كان الإنسان ملزمًا بإظهار الحقيقة، مثل الشهادة أمام القضاء، أو الإفصاح عن عيب مؤثر في سلعة، أو منع ضرر محقق عن إنسان.
وبالتالي يختلف الحكم بحسب الموقف، والمسؤولية الواقعة على الشخص، والحقوق التي قد تضيع بسبب صمته.
حكم نقل الشائعات دون التحقق
نقل المعلومات غير المؤكدة من أخطر صور الإضرار بالآخرين، خصوصًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي تسمح بوصول الخبر إلى أعداد كبيرة خلال دقائق.
ولا يعفي الإنسان من المسؤولية أن يقول: «أنا فقط أنقل ما وصلني»، لأن الواجب هو التحقق قبل النشر، خاصة إذا تعلق الخبر بسمعة شخص أو أمن المجتمع أو معلومات طبية ومالية.
ويجب تجنب:
- نشر صور دون معرفة سياقها.
- تداول اتهامات مجهولة المصدر.
- إعادة نشر أخبار قديمة باعتبارها جديدة.
- استخدام عناوين مضللة.
- اجتزاء تصريحات من سياقها.
- تداول معلومات تمس الأعراض.
- نشر شائعات تسبب الخوف أو الفوضى.
ما الفرق بين الكذب والخطأ؟
الكذب يكون عندما يقول الإنسان شيئًا مخالفًا للحقيقة وهو يعلم أنه غير صحيح، أما الخطأ فيقع عندما يعتقد أن المعلومة صحيحة ثم يتبين له خلاف ذلك.
ولا يأخذ الخطأ غير المتعمد حكم الكذب المتعمد، لكن يجب على الشخص تصحيح المعلومة بمجرد اكتشاف عدم صحتها، خاصة إذا كان قد نشرها على نطاق واسع أو ترتب عليها ضرر.
كما ينبغي الاعتذار لمن تضرر من المعلومة الخاطئة، وعدم الاستمرار في ترديدها بعد معرفة الحقيقة.
كيف يتوب الإنسان من الكذب؟
التوبة من الكذب تبدأ بالتوقف عن هذا السلوك والندم عليه والعزم على عدم العودة إليه.
وتتضمن خطوات التوبة:
- الإقلاع عن الكذب فورًا.
- الشعور بالندم على ما حدث.
- العزم الصادق على عدم تكراره.
- رد الحقوق إلى أصحابها إذا ترتب على الكذب ضياع حق.
- تصحيح المعلومات الكاذبة عند القدرة.
- طلب المسامحة إذا كان ذلك لا يؤدي إلى ضرر أكبر.
- الإكثار من الأعمال الصالحة.
- تدريب النفس على الصدق في المواقف الصغيرة.
- الابتعاد عن البيئات التي تشجع على الغش.
- التفكير قبل الكلام وعدم الرد تحت الضغط.
وإذا تعلق الكذب بحقوق مالية أو قانونية، فلا تكفي التوبة القلبية وحدها، بل يجب إعادة الحقوق أو تسوية الأمر بالطريقة الصحيحة.
وسائل تساعد على التخلص من عادة الكذب
قد يتحول الكذب لدى بعض الأشخاص إلى عادة يستخدمونها للهروب من الإحراج أو لجذب الانتباه. ويمكن التخلص منها من خلال:
- التوقف لثوانٍ قبل الإجابة.
- قول «لا أعرف» عند عدم المعرفة.
- الاعتذار بدلًا من اختلاق الأعذار.
- عدم المبالغة في سرد الأحداث.
- تجنب الوعود التي يصعب تنفيذها.
- الاعتراف بالخطأ مبكرًا.
- كتابة المواقف التي تكرر فيها الكذب ومعرفة أسبابها.
- اختيار صحبة تشجع على الصدق.
- طلب مساعدة نفسية إذا أصبح السلوك قهريًا.
- تذكر النتائج التي قد تترتب على فقدان الثقة.
أسئلة شائعة عن الكذب في الضرورة
هل الكذب حرام في جميع الحالات؟
الأصل أن الكذب محرم، لكن ورد الترخيص في حالات محددة، هي الإصلاح بين الناس، والحرب، وحديث الزوجين بما يؤلف القلوب، مع الالتزام بالضوابط وعدم الاعتداء على الحقوق.
ما الحالات الثلاث التي يجوز فيها الكذب؟
الحالات الثلاث هي: الإصلاح بين المتخاصمين، وخداع العدو في الحرب، والكلام الطيب بين الزوجين الذي يحقق المودة.
هل يجوز الكذب على الزوجة لتجنب الخلاف؟
يجوز استخدام الكلمات الطيبة والمجاملات التي تؤلف القلوب، لكن لا يجوز الكذب لإخفاء خيانة أو دين أو حق مالي أو أمر جوهري يؤثر في الحياة الزوجية.
هل يجوز الكذب لإنقاذ إنسان بريء؟
إذا كان قول الحقيقة سيؤدي بصورة مباشرة إلى قتل بريء أو الاعتداء عليه، ولم توجد وسيلة أخرى لحمايته، فقد تدخل الحالة في باب الضرورة، ويُفضل استخدام التورية متى أمكن.
هل يجوز الكذب للحصول على وظيفة؟
لا يجوز تزوير المؤهلات أو الخبرات أو المستندات للحصول على وظيفة، لأن ذلك غش واعتداء على حقوق الآخرين.
هل يجوز الكذب للحصول على دعم حكومي؟
لا يجوز تقديم بيانات غير صحيحة للحصول على دعم أو خدمة أو وحدة سكنية أو إعانة دون استحقاق.
هل يجوز الكذب للإصلاح بين الزوجين؟
يجوز للمصلح استخدام الكلام الطيب الذي يقرب وجهات النظر، بشرط ألا يضيع حقًا أو يخفي ظلمًا أو يختلق واقعة تؤذي أحد الطرفين.
هل التورية حلال؟
الأصل أنها جائزة عند وجود حاجة صحيحة، بشرط ألا تُستخدم للغش أو الظلم أو الاستيلاء على الحقوق.
هل إخفاء الحقيقة يُعد كذبًا؟
يختلف الحكم حسب الموقف؛ فإخفاء سر مشروع ليس كذبًا، أما كتمان عيب واجب الإفصاح عنه أو إخفاء شهادة تمنع ظلمًا فقد يكون محرمًا.
ما كفارة الكذب؟
لا توجد كفارة واحدة محددة لكل صور الكذب، لكن الواجب هو التوبة الصادقة، ورد الحقوق وتصحيح الضرر إذا تعلق الكذب بالناس أو الأموال.
حكم الكذب عند الضرورة
أكدت دار الإفتاء أن الصدق هو الأصل، وأن الكذب لا يتحول إلى أمر مباح لمجرد أن الإنسان يريد التخلص من موقف محرج أو تحقيق مصلحة شخصية.
وتنحصر الحالات الثلاث المشهورة التي ورد فيها الترخيص في الإصلاح بين الناس، والحرب، وحديث الزوجين بما يؤلف القلوب، مع ضرورة الالتزام بحدود كل حالة وعدم استخدامها لتبرير الغش أو الظلم أو الاعتداء على الحقوق.
كما يُفضل اللجوء إلى التورية أو الامتناع عن الإجابة عندما يكون ذلك ممكنًا، بدلًا من الكذب الصريح، على ألا تتحول التورية نفسها إلى وسيلة للخداع.
ويواصل موقع ميكسات فور يو تقديم الموضوعات الدينية والخدمية التي تهم القراء، مع توضيح الأحكام بصورة مبسطة، والتأكيد على أهمية الرجوع إلى دار الإفتاء أو أحد العلماء المتخصصين عند وجود حالة شخصية تحتاج إلى فتوى تفصيلية.
