هل تركز المرأة في التفاصيل أكثر من الرجل؟ ماذا يقول العلم عن خرافة المخ الأيمن والأيسر
يتردد كثيرًا أن المرأة "تستخدم نصفي المخ معًا" وأنها لذلك أكثر تركيزًا في التفاصيل من الرجل، وأن الناس ينقسمون إلى أصحاب "مخ أيمن" مبدعين وأصحاب "مخ أيسر" منطقيين. هذه المقولات منتشرة على مواقع التواصل، لكن ما تقوله الأبحاث العلمية المنشورة أكثر تعقيدًا وأقل إثارة.
خرافة "المخ الأيمن والمخ الأيسر"
صحيح أن بعض الوظائف تتركز في أحد نصفي الدماغ أكثر من الآخر، مثل معالجة اللغة التي تعتمد غالبًا على شبكات في النصف الأيسر لدى معظم الناس. لكن فكرة أن شخصية الإنسان أو طريقة تفكيره يحددها "نصف مسيطر" لم تجد دعمًا في التصوير الدماغي.
ففي دراسة نشرتها مجلة PLOS ONE في أغسطس 2013، حلل باحثون من جامعة يوتا الأمريكية صور الرنين المغناطيسي الوظيفي لأكثر من ألف شخص، ولم يجدوا دليلًا على أن بعض الأشخاص يستخدمون شبكات النصف الأيسر أو الأيمن بشكل أقوى على مستوى الدماغ كله. وخلص الباحثون إلى أن الاعتماد على أحد النصفين خاصية محلية لبعض الشبكات وليس سمة شخصية عامة.
هل يوجد "مخ أنثوي" و"مخ ذكوري"؟
تسجل الأبحاث فروقًا متوسطة بين الجنسين في بعض مقاييس الدماغ، مثل الحجم الكلي وبعض أنماط الاتصال بين المناطق. لكن هذه الفروق تكون في المتوسط، وتتداخل بدرجة كبيرة بين الأفراد، فلا يمكن من خلالها تصنيف شخص بعينه.
وفي دراسة منشورة في مجلة PNAS عام 2015 بقيادة الباحثة دافنا جويل من جامعة تل أبيب، فُحصت صور أدمغة أكثر من 1400 شخص، وتبين أن معظم الأدمغة "فسيفساء" تجمع خصائص أكثر شيوعًا لدى النساء وأخرى أكثر شيوعًا لدى الرجال، وأن قلة نادرة فقط تحمل خصائص من طرف واحد. وخلصت الدراسة إلى أن الأدمغة البشرية لا تنقسم إلى فئتين منفصلتين "مخ ذكر" و"مخ أنثى".
من أين يأتي الاهتمام بالتفاصيل إذن؟
الانتباه للتفاصيل مهارة تختلف من شخص لآخر بغض النظر عن جنسه، وتتأثر بعوامل عديدة منها:
- الخبرة والتدريب: المهن التي تتطلب الدقة، مثل المحاسبة والتصميم والتمريض والهندسة، تنمي هذه المهارة لدى من يمارسها.
- التنشئة والأدوار الاجتماعية: تكليف الشخص منذ الصغر بمهام تتطلب المتابعة والتنظيم يجعله أكثر انتباهًا لها.
- السمات الشخصية: مثل الحرص والضمير المهني، وهي سمات تتوزع بين الرجال والنساء.
- الحالة النفسية والجسدية: فالإرهاق وقلة النوم والتوتر تضعف التركيز لدى الجميع.
عندما يتحول التدقيق إلى عبء
الاهتمام بالتفاصيل ميزة في العمل والحياة اليومية، لكن الإفراط فيه أو السعي الدائم إلى الكمال قد يرتبط بالتوتر والإرهاق. وإذا أصبح الانشغال بالتفاصيل أو التدقيق المتكرر يعطل الحياة اليومية أو يسبب ضيقًا مستمرًا، فمن المفيد استشارة مختص في الصحة النفسية.
الخلاصة
لا تدعم الأبحاث المنشورة فكرة أن المرأة تركز في التفاصيل لأن "مخها يعمل يمينًا وشمالًا"، ولا فكرة تقسيم الناس إلى أصحاب مخ أيمن وأيسر. الفروق بين الجنسين في الدماغ موجودة لكنها صغيرة ومتداخلة، والقدرة على ملاحظة التفاصيل مهارة فردية يمكن لأي شخص تنميتها بالتدريب والممارسة.
