الألغام في العراق.. حجم التلوث وأسبابه وضحاياه وجهود التطهير
الكاتب : Mohamed Abo Lila

الألغام في العراق.. حجم التلوث وأسبابه وضحاياه وجهود التطهير

لا تنسوا متابعة شبكة ميكسات فور يو عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة من خلال الروابط التالية :

حين تتوقف الحرب لا تتوقف خسائرها. فالألغام ومخلفات الحروب المتفجرة تبقى في الأرض عقودًا، وتقتل مدنيين لم يولدوا أصلًا وقت المعركة. والعراق من أوضح الأمثلة على ذلك في العالم: أربع موجات من النزاع تركت طبقات متراكمة من التلوث، بعضها يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، وبعضها لم يمضِ عليه عشر سنوات.

وهذا الملف يشرح حجم المشكلة وأصلها، ولماذا يتأخر التطهير، ومن يدفع الثمن، وما القواعد التي تحمي المدنيين في المناطق الملوثة.

من أين جاءت هذه الألغام؟

التلوث في العراق ليس ناتجًا عن حدث واحد، بل عن تراكم أربع مراحل مختلفة في طبيعتها:

  • الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988): زُرعت خلالها حقول ألغام واسعة ومنظمة على طول الشريط الحدودي الشرقي والجنوبي، وهي المسؤولة عن الجزء الأكبر من التلوث في محافظات الجنوب وعلى رأسها البصرة.
  • حرب 1991 وما تلاها: خلّفت ذخائر غير منفجرة ومخلفات قتال في مناطق العمليات.
  • ما بعد 2003: ذخائر متروكة ومخازن غير مؤمّنة ومخلفات اشتباكات متفرقة.
  • مرحلة تنظيم داعش (2014–2017): وهي الأخطر تقنيًا، لأن التلوث فيها لم يكن ألغامًا نظامية بل عبوات ناسفة محلية الصنع زُرعت داخل المدن والمنازل والمدارس والطرق، وبعضها مصمم للانفجار عند فتح باب أو رفع غرض.

هذا الفارق بين النوعين جوهري: حقل ألغام نظامي له خرائط وأنماط زرع يمكن توقعها، أما العبوة المرتجلة داخل منزل فلا خريطة لها ولا نمط، ولهذا يستغرق تطهير المناطق الحضرية وقتًا أطول ويكلف أرواح المختصين أنفسهم.

كم المساحة الملوثة فعلًا؟

الأرقام المنشورة تختلف بحسب ما يُحتسب، وهذا الاختلاف يستحق التوضيح بدل تجاهله:

  • دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام تشير إلى نحو 2,583 كيلومترًا مربعًا من المناطق الملوثة المسجلة، ما يجعل العراق من أكثر دول العالم تلوثًا بالمتفجرات.
  • اللجنة الدولية للصليب الأحمر تتحدث عن نحو 2,100 كيلومتر مربع ملوثة، وتقرّبها للقارئ بأنها تعادل نحو 300 ألف ملعب كرة قدم.
  • بينما قدّر مرصد العراق الأخضر في يونيو 2026 أن نحو 4,800 كيلومتر مربع ما زالت ملوثة، مشيرًا إلى أن نحو 60% من التلوث جرى تطهيره منذ 2003.

سبب التفاوت أن بعض الجهات تحصي "المناطق المؤكدة والمسجلة" فقط، بينما تحصي أخرى "المناطق المشتبه بها" أيضًا، وهي مساحات لم يجرِ مسحها ميدانيًا بعد. والخلاصة العملية واحدة رغم الاختلاف: آلاف الكيلومترات المربعة ما زالت خارج الاستخدام الآمن.

خريطة التلوث: جنوب قديم وشمال حديث

يمكن تقسيم المشكلة جغرافيًا إلى نمطين. في الجنوب — والبصرة تحديدًا — التلوث قديم وواسع ومرتبط بحقول ألغام الحرب مع إيران، ويمتد في أراضٍ صحراوية وزراعية وحدودية. أما في الشمال والغرب — ونينوى والموصل في القلب — فالتلوث أحدث وأكثر تعقيدًا لأنه داخل النسيج العمراني نفسه.

ولهذا تختلف أولويات العمل: في الجنوب المعركة على استعادة أراضٍ زراعية ونفطية شاسعة، وفي الشمال المعركة على إعادة الناس إلى بيوتهم.

من يدفع الثمن؟

بحسب أرقام حكومية عراقية، سُجل بين عامي 2003 و2024 نحو 34,249 شخصًا بين قتيل وجريح بسبب الألغام ومخلفات الحرب. وهذا رقم تراكمي يوضح أن الخطر لم يكن لحظيًا بل ممتدًا على مدى عقدين.

والأكثر عرضة فئات بعينها:

  • الأطفال: الأجسام المعدنية الصغيرة اللامعة تجذب الفضول، وكثير من الإصابات تقع أثناء اللعب أو الرعي. واللجنة الدولية للصليب الأحمر توثق حالات فقد فيها أطفال أطرافهم في حوادث من هذا النوع.
  • المزارعون والرعاة: لأن عملهم يفرض دخول أراضٍ مفتوحة قد تكون ملوثة، وأحيانًا يخاطرون عن معرفة لأن البديل هو فقد مصدر الرزق.
  • العائدون من النزوح: الذين يدخلون بيوتًا لم تُفحص بعد.
  • جامعو الخردة المعدنية: وهي أخطر المهن غير الرسمية في المناطق الملوثة.

وخلف كل إصابة تكلفة طويلة: بتر يحتاج أطرافًا صناعية وتأهيلًا متكررًا مع نمو الطفل، وأسرة تفقد معيلها، ورعاية صحية ممتدة لسنوات.

لماذا يتأخر التطهير؟

ليست المسألة نقص إرادة فقط، بل مزيج من عوامل:

  • طبيعة التلوث: العبوات المرتجلة تتطلب خبرة أعلى ووقتًا أطول من الألغام النظامية.
  • التمويل: خصصت الحكومة العراقية نحو 40 مليون دولار لعمليات التطهير، بينما تشير تقديرات مراقبين إلى أن إنهاء الملف يحتاج من 10 إلى 15 سنة بدعم دولي كافٍ.
  • المسح قبل التطهير: جزء كبير من الجهد يذهب إلى تحديد ما إذا كانت المنطقة ملوثة فعلًا، قبل البدء في إزالة أي شيء.
  • الأولويات المتنافسة: المناطق السكنية والمدارس والطرق تتقدم على الأراضي الزراعية البعيدة، ما يعني بقاء مساحات واسعة معطلة لسنوات.

ويعمل العراق على الوفاء بالتزاماته الدولية في التطهير بحلول 2028 بحسب ما يعلنه مسؤولوه، وهو هدف يصفه العاملون في الملف بأنه طموح في ضوء الوتيرة الحالية للتمويل.

أسئلة شائعة

هل ينتهي مفعول اللغم مع الزمن؟

لا يمكن الاعتماد على ذلك. بعض الألغام تفقد فاعليتها بفعل التآكل، لكن كثيرًا منها يظل قابلًا للانفجار بعد عقود، وقد يصبح أكثر حساسية لا أقل. ولهذا تُعامل كل ذخيرة قديمة على أنها فعّالة.

ما الفرق بين اللغم والعبوة الناسفة؟

اللغم منتج مصنّع بمواصفات معروفة، غالبًا يُزرع في حقول ذات نمط. أما العبوة الناسفة المرتجلة فمصنوعة محليًا بتصميم غير قياسي، وقد تُخفى في أي شيء، وهو ما يجعل كشفها والتعامل معها أصعب وأخطر.

هل تكفي أجهزة الكشف المعدنية؟

ليست كافية وحدها، لأن بعض الألغام بلاستيكية بالكامل تقريبًا، ولأن الأرض الملوثة بالشظايا تعطي إشارات كثيرة كاذبة. ولهذا يُستخدم مزيج من المسح والكلاب المدربة والأجهزة والحفر اليدوي الدقيق.

من يقوم بالتطهير؟

فرق وطنية عراقية متخصصة إلى جانب منظمات دولية ومتعاقدين، بتنسيق مع الجهات الحكومية المسؤولة عن شؤون الألغام.

الكلفة الاقتصادية: أرض معطلة لا مجرد خطر

الألغام لا تقتل فقط، بل تجمّد الاقتصاد المحلي. فكل كيلومتر مربع ملوث يعني أرضًا زراعية خارج الإنتاج، أو طريقًا لا يُستخدم، أو مشروع إعمار متوقفًا، أو حقلًا لا يمكن الاستثمار فيه.

وفي المناطق التي خرجت من النزاع، يصبح التطهير شرطًا مسبقًا لكل شيء آخر: لا عودة للنازحين قبله، ولا إعادة بناء مدرسة أو مستشفى، ولا استئناف زراعة. ولهذا تُصنَّف أعمال مكافحة الألغام بوصفها استثمارًا تنمويًا لا نشاطًا إنسانيًا فحسب.

التوعية بالمخاطر: أرخص وسيلة لإنقاذ الأرواح

إلى جانب التطهير، تعمل المنظمات على التوعية بالمخاطر، وهي برامج تصل إلى آلاف الأشخاص سنويًا في المدارس والقرى والمخيمات. وجوهرها قواعد بسيطة يمكن أن تنقذ حياة:

  • لا تلمس: أي جسم معدني غريب أو ذخيرة أو سلك ظاهر من التراب لا يُلمس ولا يُحرَّك مهما بدا قديمًا أو صدئًا.
  • توقف وارجع من حيث أتيت: إذا أدركت أنك داخل منطقة مشتبه بها، لا تكمل الطريق ولا تحاول الالتفاف، بل عد على الأثر نفسه.
  • احترم العلامات: الشريط الأحمر والعلامات التحذيرية ليست زينة، وإزالتها تعرّض غيرك للقتل.
  • أبلغ السلطات: حدد الموقع بأدق وصف ممكن وأبلغ الجهة المختصة بدلًا من التعامل مع الجسم.
  • علّم الأطفال: الرسالة المناسبة لعمرهم — "لا تلمس، ابتعد، أخبر شخصًا كبيرًا" — أهم من أي تفصيل تقني.

ما الذي يجعل هذا الملف مختلفًا عن غيره؟

معظم آثار الحروب تتراجع مع الوقت: المباني تُرمم، والأسواق تعود، والاقتصاد يلتقط أنفاسه. أما التلوث بالمتفجرات فيعمل بالعكس تمامًا؛ فهو لا يتحلل ولا يتقادم، وقد يظل اللغم فعالًا عقودًا بعد أن ينسى الجميع من زرعه ولماذا.

وهذا ما يجعل الأرقام في هذا الملف مختلفة عن أي إحصاء حرب آخر: الضحايا الجدد يسقطون بعد انتهاء القتال بسنوات طويلة، وغالبيتهم من المدنيين الذين لا علاقة لهم بالنزاع الأصلي أصلًا.

ما الذي تغيّر وما الذي لم يتغيّر

تغيّر الكثير: مساحات واسعة طُهّرت فعلًا، وعادت مجتمعات إلى أراضيها، وتحسّنت قدرات الفرق الوطنية، واتسعت برامج التوعية. لكن ما لم يتغيّر هو المعادلة الأساسية — التمويل أقل مما تحتاجه المهمة، والوقت يعمل ضد الناس لا ضد الألغام.

وفي الأرض الملوثة، القاعدة التي تظل الأهم بسيطة إلى حد القسوة: لا تلمس، وابتعد، وأبلغ. ثلاث كلمات أنقذت من الأرواح أكثر مما أنقذته أي حملة أخرى.

التعليقات

لا يوجد تعليقات

اترك تعليق

يجب تسجيل الدخول أولا. تسجيل الدخول